في زوايا الذاكرة، تختبئ صور لا تُمحى، تنبض بالحياة برغم مرور السنين. أعود إلى العام 1997، حين كنت في الرابعة من عمري، أعيش مع عائلتي في ضيعة سورية تُدعى “دركوش”، قريبة من الحدود التركية. كانت ضيعتنا تحتضنها الجبال من كل الجهات، ويفصلها عن صخب المدينة نصف ساعة من الطريق، نقطعها على دراجة نارية خلف والدي، بكل ما تحمله من برودة وأمان.
كنا تسعة إخوة، يفصل بين كل منا سنة واحدة فقط، نعيش في بيت ريفي بسيط، لكنه مفعم بالحياة والضحك والضجيج. كانت أمي تستيقظ مع أول خيوط الفجر، ترتدي عصابتها وتتمتم بكلمات لا أفهمها، تتوجَّه مباشرة إلى الحظيرة لتحلب الحليب. وعادةً ما تبدأ يومها برفس أختي الكبرى ربيعة لتوقظها، قائلة:
“قومي بنتي، ما ضل وقت، هلق بيقوم أبوكي وبيصير ينق فوق راسنا!”
تنهض ربيعة بتكاسل، تلعن حظها بصوت منخفض وتتمنى الزواج كمهرب من تلك الحياة. لكن لا مجال للتأجيل، فواجبات الصباح كثيرة: إشعال النار، جمع الحطب، تسخين الماء، وتحضير القهوة لوالدي الذي لا يبدأ إفطاره دون اجتماع العائلة حوله.
مع بزوغ الشمس، كانت أمي وأختي تتجهان إلى التنور، تخبزان العجين على الحطب بينما تحتسيان القهوة على عجل. وبينما الخبز يُسحب ساخناً من التنور، يعلو صوت والدي من بعيد:
“ذبحنا الجوع! ما ضل وقت عالشغل، عجّلي يا أم محمد!”
تسرع ربيعة لإعداد السفرة، وتدخل أمي حاملة الخبز الساخن، لتوقظ باقي إخوتنا. نصطف جميعاً أمام أبي الذي يسكب الماء على أيدينا، فنغسلها واحداً تلو الآخر، ثم نجلس حول المدفأة.
كنا نتهامس:
“هاد مكاني!”
“لا، مكاني أنا!”
فتتدخل أمي وتُنهي النزاع، وتُجلس بجانبها أصغر إخوتنا لتطعمهم.
ينتهي إفطارنا بعد ساعة تقريباً، تتخلّلها أحاديث أبي وأمي عن الجيران والعمل، وضحكاتنا ونحن نتابع وجوههم بانسجام وسعادة.
وفجأة، يقف أبي قائلاً:
“يسلم إيدك يا أم محمد، بدك شي من السوق؟”
تُمسك أمي بذراعه، تقطع أكلها لتقول:
“سلامتك سيد الراس، بس ربيعة بدها كنافة، والأولاد بدهم بزر للقضامة.”
يبتسم والدي، يفتل شاربه، ويرتدي معطفه وينطلق إلى السوق على دراجته. رجلٌ طويل، ذو لحية كثيفة، يعمل قصّاباً… يحمل هيبة الأب، ودفء البيت.
فيما بعد، ينطلق كلُّ واحد منا إلى عمله: أنا وأخي نسوق الخراف، إخوتي الصغار ينظفون، يطهون، أو يعتنون بمن هم أصغر منهم. كانت أيامنا مرهقة، لكنها كانت جميلة، دافئة برغم البرد، عفوية برغم التعب، وقوقعة بيتنا… كانت الحضن الآمن لنا جميعاً.
واليوم بعد كل هذه السنوات ما زلت أستيقظ أحيانا على رائحة الخبز في حلمي، وصوت أمي تنادي أختي ربيعة.
فأبتسم وأدرك أنَّ تلك اللحظات وإن كانت تبدو بسيطة، إلاَّ أنَّها أغلى ما أملك. كانت الحياة كما يجب أن تُعاش.