في أحد أيام الصيف الحارقة، وجدت نفسي تائهاً في أرجاء المدينة الكبيرة، غريباً عنها ولا أعرف الطريق إلى وجهتي. بدأت أتحسس طريقي بين الحواري والأزقة، هارباً من حرارة الشمس وباحثاً عن أقصر الطرق إلى مقصدي، متذكراً المثل القائل: “كل الطرق تؤدي إلى روما”.
أثناء تجولي وسط متاهة الحواري المتشابكة، لفت انتباهي في أحد الأزقة مشهد لم أره من قبل. كان هناك بيت قديم بُني من الطوب اللبن، يواجه الغرب، وقد تركت عليه السنين أثرها. كانت أشعة الشمس الساطعة تغمر الطابق العلوي وتلقي بوهجها على منتصف الطابق الأول، بينما غرق الجزء السفلي في ظلال المبنى المقابل.
في تلك الظلال، كانت هناك امرأتان تجلسان على الأرض، ترتديان ملابس سوداء. من بعيد، بدتا كأي امرأتين تتبادلان أطراف الحديث، لكن حين اقتربت، أصابتني الدهشة؛ فقد كانت إحداهما صاحبة المنزل، والأخرى ضاربة ودع.
كانت هذه أول مرة في حياتي أرى فيها ضاربة ودع. وضعت على الأرض قطعة قماش صغيرة، وفوقها وضعت قطع الصدف اللامعة – أو “الودع” كما يسمونه. كانت المرأة الأولى تهمس بشيء ما، بينما قارئة الودع تحرك الصدف بأصابعها في حركات دقيقة، كأنها تستشف طالعاً غامضاً.
توقفت قليلاً، وأبطأت في خطاي أكثر فأكثر، محاولاً استراق النظر، حتى وجدت زاوية مناسبة أتمكن منها من متابعة ما يجري. كانت قارئة الودع تركز بنظراتها الحادة على الصدف، تحركه بأطراف أصابعها برصانة وإمعان، غير أنني لم أتمكن من سماع ما همست به المرأة حين وشوشت الودع، ولا بما ردّت عليها ضاربة الودع بعدما أنصتت.
واصلت طريقي، والشعور بالقشعريرة يسري في جسدي، بينما تلاشت صورة المرأتين تدريجياً في خلفية ذاكرتي، وهما تتبادلان الحديث في همس وسرية، محاطتين بذلك الصدف اللامع الذي أضفى على المشهد لمسة من الغموض. لكن صوتاً بداخلي ظل يهمس: “كذب المنجمون ولو صدقوا”، فلا يعلم الغيب إلا الله.
في طريقي للعودة إلى المسار الصحيح، ظل هذا المشهد عالقاً في ذهني، وجعلني أتساءل: هل كانت المرأة تبحث عن حل لأزمة ما، أم كانت تسعى لمعرفة ما يخفيه لها المستقبل؟ أسئلة عديدة ترددت في داخلي، دفعتني للتفكير في مدى تأثير هذه المعتقدات على حياة الناس. على الرغم من التطور والتقدم التكنولوجي، لا يزال بعضهم يلجأ للخرافات والطقوس بحثاً عن الطمأنينة أو حلول لمشكلاته. ربما تكمن جاذبية هذه الممارسات في أنها تمنح الإنسان أملاً وشعوراً بالتفاؤل أمام ما يخبئه له المجهول.