من صندوق ذكريات الطفولة..
ويمرُّ بي طيف الذكريات البليدة لأعوام مضى عليها عقد من الزمن، حين كنت في سادسة عمري، كنت شقياً جداً، كنت لا أترك جرساً إلا وضغطت عليه، لم أترك مجموعة أطفال إلاَّ ورشقتهم بالحجارة، ههههه. كنت ذا مظهرٍ مشرَّدٍ للغاية، ولكن كنت في عالم خالٍ من أيَّة منغصات، كنت خاوي القلب والفكر.
أتذكر ملامحي جدَّاً، كنت ذا وجهٍ متَّسخٍ بالتراب، ومخاطٍ من أنفي يسيل، وبنطالٍ لأخي قد ارتديته دون علمه، وكلَّما ركضت قليلاً سقط، فلا يسعني إلاَّ أن أركض وأنا جامع البنطال بيديَ الصغيرة في مجمع خصري.
كنت أعشق أن أكون حافياً، أجري هنا وهناك دون كلل أو ملل، ودون شيء يقي قدميَّ من الحصى أو قليلٍ من الزجاج هنا وهناك.
حتى إنِّي لأتذكر يوم سقطتُ في حفرة صغيرة، ولكن كان فيها زجاجة مكسورة، فجرحتْ قدمي وسال دمي. كم شعرت وقتها بالخوف والهلع، على الرغم من أنِّي لا أعرف ما معنى الموت، لكن خفت منه صراحةً! ظننتُ لوهلةٍ أنِّي أفارق الحياة، وما مدَّني غير صفعة على وجهي من أمِّي وهي تصرخ قائلة:
“لك والله جننتني! لك اهدأ، ليش هيك شاقق الأرض وطالع! هيك دمك رح يصفى!”
وأنا كنت أصرخ كلما ضمَّت الخرقة على قدمي، وكان طحن القهوة يحرقني. وبينما أنا كذلك، إذ بالباب يُطرق، إنَّه جدِّي عمر. انسلخت من بين يدي أمي وشرعت أركض بلمح البرق لأرتمي في أحضان جدِّي.
إنِّي أحبُّه جدَّاً، فهو لا يدع أحداً، كبيراً كان أو صغيراً، يقترب منِّي ويقول لهم:
“ما حد يلق محمد، هاد ضو عيوني، إش ما عمل لا تزعلوه.”
وشكوت له ما جرى بساقي، فمسح بيده تلك الدموع المنهمرة، وأمسك وجهي قائلاً:
“له له يا محمد، هيك الأبطال بيبكوا من جرح صغير؟ أنت بطل، لا تنسى جدَّك عمر اللِّي حمل السلاح بوجه الخونة والمحتلِّين، وأنت كمان بيجي يوم وتشيل البارودة وتحصُد كل خبيث بيخرِّب الأُمِّة.”
ابتسمتُ، تحمستُ، وأخبرتُه أنِّي لن أبكيَ بعد اليوم، أنا حفيد جدِّي عمر.
أخذ بيدي وأخبرني:
“مادام أنت بطل ولا تستسلم للألم، سوف نذهب إلى محلّ العم سالم وأشتري لك قطعة حلوى.”
وشققنا بضعة أزقَّةٍ ضيِّقة حتى وصلنا إلى محل العم سالم، رحّب بنا، وأجلس جدي بجواره، وسقاه كأس متة، وتبادل معه أطراف الحديث.
ثم جمعت كثيراً من الحلوى، لم تكن قطعة واحدة، ممكن فيما أتذكر حوالي 12 قطعة حلوى. ونظرت إلى جدِّي بتلك النظرات البريئة، هل آخذهم كلهم أم قطعة واحدة فقط؟ فأومأ برأسه أنِّي آخذ ما جمعت من الحلوى.
ثم عدنا إلى البيت، وحين وصلنا إلى باب البيت، لم يدخل، بل قبَّلني وكأنَّه مودِّع، وأخبرني أنِّي سوف أبقى في قلبه إلى الأبد. قبَّلتُ يده وانصرف، ولكن كان هناك حزن في عينه لم أعرف ما هو، حتى كبرت.
فبعد الساعة العاشرة سمعنا أصواتاً وعويلاً بآخر الحارة:
“وووو وا كرباه!”
لقد توفَّته المنية، جدِّي عمر، وكانت آخر قطعة حلوى يشتريها لي.
جلست شهراً بعدها طريح الفراش، لا آكل إلا النَّزر القليل، حتى أذن الله وتعافيت. ولكن لا أخفي سرَّاً، إلى اليوم أعيش صدمة الموت والفراق،
ترعبني الفكرة، وأعيش بعض السيناريوهات التي أفقد فيها عزيزاً، لأجلس بعدها أسبوعاً بأيَّامه ولياليه أعاني من مزاجٍ متقلِّبٍ وحزنٍ شديدٍ.