لم أظنه يومًا كباقي الأيام.
كان يومًا شديد المطر، السيول تنهمر بين شقوق الطرقات، والرياح تعصف بالأجواء. البرد كان شديد القسوة.
دخل الفتى بيته متعبًا من ساعات الانتظار التي قضاها أمام الدكان. كان معطفه مبللًا حتى أن الماء تسلل إلى حذائه الرياضي البالي. نزع ملابسه مسرعًا ودخل إلى غرفته التي لا تتجاوز مساحتها مترين ونصف. الغرفة تحتوي على سرير يقع تحت نافذة تطل على الشارع العام، وخزانة كُسر بابها الأيسر، وملابس متناثرة هنا وهناك.
أمسك علبة سجائر ومنفضة، وجلس قرب النافذة ينظر إلى المارة ويدخن سيجارة بتعب واضح. لمح رجلًا مسنًا يمضي في طريقه، والعجيب أنه لم يُبالِ بزخات المطر التي تنهمر عليه بغزارة، كأنه يخاطب المطر قائلًا: “هاتِ ما عندكِ، أنا جبل لا يهتز”.
وفجأة، انقطع التيار الكهربائي عن البيت وساد الظلام في كل الأركان، حتى السماء بدت قاتمة. نظر الفتى هنا وهناك، متسائلًا ماذا يفعل. لم يفكر حتى في شراء بعض الشموع.
تنهد قليلًا، ولم تمضِ سوى بضع دقائق حتى عادت الكهرباء، وعادت ملامح وجهه العابسة إلى مستوى من الرضا.
لكنه ما إن التفت إلى زاوية الغرفة حتى رأى طفلًا جالسًا فيها، يرتعش خوفًا، وقد بدت عليه آثار الكدمات. عيناه شاحبتان، وسواد الهموم أخذ حيزًا من وجهه الصغير. كانت هناك كدمات بجانب فمه وأخرى على خده الأيسر، وأصابعه ملفوفة بخرقة متسخة، وملابسه الصيفية ممزقة. قدماه اتسختا بالطين حتى بدا كأنهما تلبسان جوربين!
تارةً ينظر الطفل إلى نعيم بنظرة غضب، وتارة أخرى يخفض رأسه بين ساقيه. انقبض قلب نعيم وتلعثم حتى أمسك قلبه وقال:
من أنت؟ كيف دخلت غرفتي؟ إنني لم أرك حين دخلت! بسم الله وأعوذ بالله إن كنت من غير الإنس.
رفع الطفل رأسه إليه مبتسمًا ابتسامة المستهزئ وقال:
هل حقًا تخاف من غير الإنس يا نعيم؟ ألم تتعرف على هذا الطفل الذي أمامك؟
انتفض نعيم ووقف على قدميه، وهو يصرخ قائلاً:
أنا… أنا أنت يا نعيم! أنا ماضيك الذي قد عشته. أنا في داخلك ولم أخرج قط. كبرتَ بجسمك هذا، وبقيتُ أنا طفلًا لم يعرف قط معنى الشبع أو الدفء.
أنا ذاك الشعور بالألم الذي كنتَ تخفيه حين كنتَ تستيقظ في الرابعة صباحًا لتذهب إلى العمل جائعًا، بردانًا، بحذاء ممزق وكيس ثقيل فوق كتفك النحيل.
أنا يا نعيم التعاسة التي كنتَ تشعر بها كلما أتى عيد ولم يكن لك فيه نصيب. أنا كل تلك الأحزان التي حملتها عن أمك وإخوانك.
أنا ذلك الطفل الذي ظل يعيش داخلك حتى عمر الثلاثين. أرجوك يا نعيم، تحرر مني، واصنع لنفسك أملًا وحلمًا جديدًا. لا تبقَ مكتئبًا بين هذه الجدران. أتوسل إليك، أتركني.
غرغرت عين نعيم بالدموع، أمسك قلبه وشعر بوخزات متتالية. نظر إلى الطفل أمامه، ثم انحدرت دمعة مرافقة لقيده الطويل. قال بصوت متهدج:
اعذرني… لا أستطيع. أنت جزء مني، لا بل أنت كلي. تعال، عانقني، فأنا لن أتركك حتى تخرج الروح مني.
طفل صغير وطفل كبير… لا أريد أملًا، لا أريد أحلامًا. فقط عانقني. أشعر بالخوف والوحدة. أريد أن أنام بسلام… فقط.
وفي النهاية، ركض الفتى إليه معانقًا، ليلتحم به. استيقظ نعيم من غيبوبته، أشعل سيجارة أخيرة، وعدّل جلسته على السرير. وضع مرفقه على حافة النافذة، وأسند كفه إلى وجهه، يراقب المارة ذهابًا وإيابًا.