كانت سنة 2016 من شدّة سوادها لا تُنسى، وقعت حادثة لن تبرح ذاكرتي ما حييت. في كلّ صباح، أستيقظ على ذلك المشهد الذي لا ينقص منه شيء؛ أنا أمٌّ فقدت أول طفل لها، وكان عمره سنتان وستة أشهر!
أول كلمة سمعتها منه كانت “أمِّي”، وكل الأحداث راسخة في ذاكرتي لا يمَّحي منها أي تفصيل. كان أول خطوة لي في عالم الأمومة ببعثراتها، وكم كانت متعبة؛ سهر طوال الليالي، وانتظار بشوق لأول سنّ، وكم كانت يدي عضّاضته المفضلة، ولا يرضى بشيء غيرها! وعلى الرغم من ذلك الألم، كانت ثمَّة سعادة غامرة.
أول وقوف له، وأول خطوة خطاها أمام التلفاز، كم كنت سعيدة، وكم ضحكت بفخر شديد؛ ابني خطا أولى خطواته الأولى نحو الحياة. ولكن تلك السعادة لم تدم طويلاً، فقد أراد الله بي أمرًا آخر.
صبرٌ جميلٌ والله المستعان، سقط ليثي شهيدًا، نعم شهيدًا، مات برصاص غادر، رأيت الرصاصة تمرّ أمام عيني كفيلم، لتخترق رأسه من وراء أذنه. سقط على الأرض ولم ينبس ببنت شفة، وكأنه أغمي مغشياً عليه. سالت دماؤه على الأرض مكوِّنةً بركة من دم نقي.
لم أصدق ما حدث حتى هذا اليوم الذي أكتب فيه، تفاصيله لا تغيب عني، حتى بعض كلماته الطفولية التي كان ينطقها بخطأ ويبتسم، كنت أسعد بها على عفويتها وتلعثمها.
يداه الصغيرتان كانتا معي دائمًا، أما اليوم فهو ليس معي، لكن يقيني أنه في مكان أفضل بكثير من هذه الدنيا، التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة.
رسالتي لكل أم: لا تقسي على أطفالك، حتى وإن أردت مصلحتهم، أنتِ اخترتِ أن يكونوا في هذه الدنيا، فتحمّلي المسؤولية، واجعليهم سعداء معك.
هذه كانت رسالة أم فقدت شهيدًا بعمر سنتين.
صورة الغلاف:
Photo by Alex Muromtsev on Unsplash
أقسى ما قد يمر على الأبوين من مآسي، هو مأساة فقد أحد الأبناء..
عزاؤنا أنها دنيا فانية.. وغداً سنلقى الأحبة.