لست منهم، أنا بعضٌ من أنين. أشجاني بين فينة وأخرى تعاتبني. لا تلتفت عيني يمنة أو يسرى، أعتلي منارة القادسية حتى أتمكن من معرفة ما يدور حولي.
يظنُّني الجميع غبياً، لكني روح منهكة ملّت رؤية الجثث متناثرة هنا وهناك. صار الأمر عادياً بطريقة مخيفة، لدرجة أن أًميل سيقان الجثث عن طريقي بيدي حتى أعبر. أياديهم أيضاً. أخاف أن أزعجهم حينما أمسهم، يُخيل إليَّ أن أرواحهم تحملق في عيني، تخبرني كم شعروا بالخوف، كم شعروا بالألم.
أحس شكواهم متسخة بالغبار والدماء، وأرى في طرف أعينهم غضباً واستياءً. أخجل، لا أعرف ماذا أجيب هذه الأرواح، فأغضُّ طرفي عنهم. وفي مقلتي بحر من دموع، بحر من هموم.
أزدرد ريقي وقلبي ينبض مليار مرة، ترتجف يدي خجلاً لا خوفاً. وفي منتصف الطريق يأتيني صوت قوي، دوي، ونزل بي قضاء ربي، فتناثرت أشلائي هنا وهناك. أين أنا؟ أين باقيَّ؟ لا شيء سوى أشلاء. تلك قلادة أمي كانت بيدي، وذاك كيس فيه بعض زادي، أوصاني أبي أن آخذ مقدارًا منه حتى أصمد إذا بقيت من دونهم إلى أن يأتي فرج قريب.
حتى إن رأى أبي أني شابة في عنفوان الحياة، ورأت أمي أنني عروس ممشوقة القوام، لكن حقد الظلام أبى ذلك قسراً. الآن أنا نور وروح، أنا لا أشعر بما يشعره البشر. انتهيت من الألم والخوف، أنا حرة، حرة بلا قيود.
صورة الغلاف: