انتهت الحفلة الراقصة، وعاد كل ثنائي إلى طاولته. أمسكت الآنسة “ساندرا” بفستانها الثقيل الذي ينوء جسدها النحيل بحمله، لكنه بدا أنيقًا، مرصعًا بالأحجار والترتر. اللون الممزوج بين الأبيض والأزرق السماوي أضفى عليها رقة طغت على أنوثة جميع السيدات والآنسات في الحفل.
كانت هناك أريكة بجانب نافذة تطل على الشارع. جلست ساندرا عليها، غارقةً في ملل شديد. لم تعتد على مثل هذه الحفلات؛ فهي شخصية انطوائية تفضل البقاء في غرفتها لقراءة الروايات بدلًا من حضور حفلات كهذه. لكنها جاءت مجبرةً بإصرار من أختها “روليتا”، التي كانت ترى في هذا الحفل فرصةً سانحة للعثور على “الزوج المناسب”. إلا أن روليتا لم تفهم أن أختها فتاة تعشق الطبيعة والبساطة، على عكسها تمامًا؛ فهي مادية، تسعى وراء المال، وتحب التفاخر بين أقرانها.
بينما كانت ساندرا تجلس على الأريكة، مالت بجسدها قليلًا لتراقب الشارع عبر النافذة. كان الثلج يتساقط بغزارة، والعربات تسرع نحو وجهتها. لاحظت ضوءًا في الطرف المقابل مكسورًا، يضيء وينطفئ كل ساعة.
شعرت بثقل يغمرها، فأغمضت عينيها لتستسلم لنوم عميق، بالرغم من الصخب والضجيج حولها. فجأة، وجدت نفسها في عالم خيالي. كانت ترتدي فستانًا بسيطًا بحزام زهري منقّط بالزهور، وتجلس داخل كوخ خشبي صغير، يتكوّن من غرفة واحدة فقط.
أمامها كانت طاولة صغيرة فوقها مكتبة خشبية معلقة على الحائط، ممتلئة بالروايات والدفاتر المتناثرة، كأنها تشهد على حياة مليئة بالقراءة والكتابة. كان هناك قدر مليء بالحساء يغلي فوق الموقد، مما جعلها تشعر بدهشة عارمة، لكنها لم تكن خائفة. بل شعرت بطمأنينة غريبة، وكأن هذا المكان يعرفها جيدًا، أو ربما هو جزء من خيالها الذي تلجأ إليه للهروب من صخب الحياة.
نهضت من السرير، تتنقل بين أرجاء الغرفة وتلامس بيدها الأشياء، حتى انتهى بها المطاف جالسةً أمام الموقد تتأمل النار. فجأة، شعرت بيدٍ باردة جدًا تلامس كتفها، وصوت خشن يقول:
ـ هل استيقظتِ يا صغيرة؟
التفتت لترى والدها “ألبرتو” حيًا يُرزق، بابتسامته المعهودة ترتسم على وجهه. قفزت نحوه بسرعة:
ـ أهذا أنت يا والدي؟ متى عدت؟ وكيف عدت؟ لقد اشتقتُ إليك كثيرًا!
نظر إليها بنظرة انكسار قائلاً:
ـ نعم، عدتُ لأجلكِ يا صغيرة. عدتُ لكيلا تحزني.
أمسكت بيده وجلست معه على طاولة الطعام. أشعل الشموع وسكب الحساء الدافئ على الأطباق. تناولا العشاء معًا، وطفقا يتبادلان الأحاديث الممتعة وذكريات الطفولة. شعرت ساندرا بسعادة غامرة، وضحكت من قلبها لأول مرة منذ شهور، بعد أن تلقّت خبر وفاة والدها في الحرب.
لكن فجأة، استفاقت على صوت أختها وهي تهز كتفها برفق:
ـ هل أنتِ بخير، عزيزتي؟ هل كنتِ نائمة؟ لقد سمع الحضور جميعًا ضحكاتكِ.
فتحت عينيها، تبحث عن أثر الحلم الجميل، لتدرك أنها كانت نائمة وأن ما عاشته لم يكن سوى حلم سعيد. تثاءبت بابتسامة عذبة، وهي تخفي دمعة صغيرة ودّعت بها والدها للمرة الأخيرة في نهاية غير متوقعة!
نظرت “ساندرا” إلى أختها وأومأت برأسها إشارةً إلى رغبتها في العودة إلى المنزل، لكن أختها كانت مستغرقة في حديثها مع الأصدقاء ولم تُعِرها انتباهًا. تنفست “ساندرا” الصعداء ووقفت متثاقلة، ثم رفعت طرف فستانها الذي يثقل خطواتها.
بدأت تنزل السلالم بخطوات متسارعة، وكأنها تهرب من شيء يخنقها. ومع كل خطوة، شعرت كأنها تقترب من الحرية. وفجأة، تعثرت عند إحدى العتبات، لتسقط مباشرةً في بركة النافورة الخارجية.
شعرت بالماء يحيط بها وشعرها الطويل ينسدل مبللًا فوق كتفيها. لوهلة، تأملت حالها بصمت، قبل أن تنفجر في ضحك عفوي وعالٍ، لفت أنظار الجميع.
هرع الحراس إليها لمساعدتها على الخروج من البركة، وهم ينظرون إليها بدهشة. أحضروا لها عربتها لتغادر الحفل فورًا.
وفي طريقها إلى المنزل، كانت تنظر من نافذة العربة، وشعور غريب من الراحة يغمرها. همست لنفسها بابتسامة ساخرة:
“لن أستمع لأختي مرة أخرى”.
ثم أغمضت عينيها لتترك خلفها كل أجواء الحفل وضجيجه، عائدة إلى عالمها البسيط الذي اعتادت أن تجد فيه سلامها.