في عَالَمِ العَمَلِ اليَوْمَ، يَسْعَى الجَمِيعُ لِيُصْبِحُوا الأَشْخَاصَ الَّذِينَ لَا يُمْكِنُ الاِسْتِغْنَاءُ عَنْهُمْ، هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتْرُكُ غِيَابُهُمْ فَجْوَةً كَبِيرَةً.
السُّؤَالُ الَّذِي يُطْرَحُ نَفْسَهُ: هَلِ التَّنَوُّعُ فِي الْمَهَارَاتِ هُوَ الْمِفْتَاحُ، أَمْ أَنَّ التَّخَصُّصَ فِي مَجَالٍ مُحَدَّدٍ هُوَ السَّبِيلُ لِذَلِكَ؟
مِنَ الْمُلَاحَظِ أَنَّهُ مَعَ ازْدِيَادِ التَّخَصُّصِ- وَرَبَّمَا بِاسْتِثْنَائَاتٍ قَلِيلَةٍ-يُصْبِحُ اسْتَبْدَالُ الْفَرْدِ أَكْثَرَ سَهُولَةً.
فكما أَنَّكَ -فِي الغالبِ- لَنْ تَشْتَرِي آلَةً لِغَسْلِ الصُّحُونِ فَقَط، عِنْدَمَا يَكُونُ بِوِسْعِكَ الْحُصُولُ عَلَى آلَةٍ تَغْسِلُ وَتُجَفِّفُ مَعًا، كَذَلِكَ فَالْمَهَارَاتُ الْمُتَعَدِّدَةُ تَجْعَلُ مِن الشَّخْصِ عُنصُرًا يُصَعِّبُ اسْتَبْدَالَهُ.
وكمَا يَقُولُون، التَّخَصُّصُ قَد يُسَهِّلُ عَمَلِيَّةَ اسْتَبْدَالِ الأفراد كَمَا نَفْعَلُ مَع أَقْسَامِ الآلَاتِ.
وَلَكِنْ، الشَّخْصِيَّاتُ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْن مَهاراتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَتَنَوُّعٍ وَظِيفِيٍّ هُمْ مِن يكتسبون مِيزةً لَا يُمكِنُ التَّغَآضِي عَنْهَا فِي سَوْقِ العَمَلِ المُعاصِر.
قَد يُعَبِّر التَّخَصُّص عن “قالبٍ” فِيه تُحَدَّد المَهارات بشكل ضَيِّقٍ، مُمَّا يَعْمَل على اختصارها في بضعة سطور. وهكذا، يُصبح إيجاد بَديلٍ أَمراً سَهلاً، فَمَا عَلَيْكَ سِوَى وضَع تلك السُّطور في إعلاناتٍ وستجد الاستجابة أكثر مما تتخيل.
عَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، يَتَمَيَّز الشَّخْصُ الَّذِي يَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ – Jack of all trades – بِاتِّسَاعِ أُفُقِ حَرَكَتِهِ وَصُعُوبَةِ تَوْصِيفِ دَوْرِهِ بِدِقَّةٍ دُونَ إِسْقَاطِ بَعْضٍ مِمَّا يَقُومُ بِه أو مَا يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ بِه.
هُوَ شَخْصٌ ذُو اهْتِمَامَاتٍ وَهُوَايَاتٍ مُبْتَكَرَةٍ، يَقْطُفُ مِنْ كُلِّ بُسْتَانٍ زَهْرَةً، وَلَدَيْهِ إِحَاطَةٌ وَاسِعَةٌ بِعِدَّةِ تَخَصُّصَاتٍ. يَمْتَلِكُ قُدْرَةً عَالِيَةً عَلَى التَّعَلُّمِ تُمَكِّنُهُ مِنَ التَّحَوُّلِ إِلَى خَبِيرٍ فِي أَيِّ مِنْ تِلْكَ الْمَجَالَاتِ بِسُرْعَةٍ عِندَ الْحَاجَةِ.
التَّحَدِّي يَكْمُنُ فِي تَقْيِيمِ الْقِيمَةِ الْحَقيقية لِأُولَئِكَ الَّذِينَ يَتَخَصَّصُونَ فِي مَجَالٍ وَاحِدٍ، مُقَابِلَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَمْلَكُونَ مَجْمُوعَةً مُتَنَوِّعَةً مِنَ الْمَهَارَاتِ وَالاهْتِمَامَاتِ، حَيْثُ أَنَّ الْمَرُونَةَ وَالْقُدْرَةَ عَلَى التَّكَيُّفِ أَصْبَحَتَا مِنْ أَقْوَى الْأَدَوَاتِ فِي عَالَمِ الْعَمَلِ الْمُتَغَيِّرِ.
هُنَا تَكْمُنُ نُقْطَةٌ غَايَةٌ فِي الْأَهَمِّيَّةِ: الْمُتَخَصِّصُ يُرَكِّزُ عَلَى اَكْتِسَابِ الْمَعْلُومَاتِ عَمُودِيًّا فِي التَّخَصُّصِ نَفْسِه. بَيْنَمَا مَنْ يَمْتَلِكُ مَهَارَاتٍ مُتَعَدِّدَةً – Jack of all trades – يَسْعَى لِاَكْتِسَابِ الْمَعْلُومَاتِ أُفُقِيًّا عَبْرَ مَوَاضِيعَ شَتَّى، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّعَمُّقِ فِي أَيٍّ مِنْهَا عِندَ الضَّرُورَةِ (يَعْرِفُ شَيْئًا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَيَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ).
كُنْتِيْجَةَ لِهَذَا التَّوَجُّهِ، غَالِبًا مَا يَكُونُ لَدَى Jack of all trades وَجهةُ نَظَرٍ مُمَيَّزَةٍ؛ لِأَنَّهُ يُرَاقِبُ الْأُمُورَ مِنْ زَوَايَا مُتَعَدِّدَةٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
إِتْقَانُهُ لِعِدَّةِ «لُغَاتٍ» أَوْ تَخَصُّصَاتٍ يُجَعِلُهُ قَادِرًا عَلَى بِنَاءِ رَوَابِطَ بَيْنَ هَذِهِ التَّخَصُّصَاتِ الْمُتَنَوِّعَةِ، مِمَّا يُجَعِلُهُ عُنْصُرًا لَا يُمْكِنُ الاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ بِسُهُولَةٍ.
فِي عَصْرِنَا الْحَالِي، عَصْرِ التَّطَوُّرِ السَّرِيعِ، حَيْثُ يَعْتَمِدُ النَّجَاحُ عَلَى التَّعَاوُنِ الْفَعَّالِ بَيْنَ الْمُتَخَصِّصِينَ، يَظْهَرُ هَذَا الشَّخْصُ كَمَحورٍ رَئِيسٍ لِرَبْطِ الْأَفْكَارِ وَتَجْسِيرِ الْفَجَوَاتِ بَيْنَ التَّخَصُّصَاتِ.
بَيْنَمَا الْمُتَخَصِّصُ، بِحُكْمِ تَرْكِيزِهِ الْمَحْدُودِ، يَظَلُّ مَحْصُورًا ضِمْنَ نِطَاقِ تَخَصُّصِهِ دُونَ تَأْثِيرٍ يَذْكُرُ خَارِجَ جَزِيرَتِهِ الْخَاصَّةِ!
إِذَا أَمْعَنَا النَّظَرَ فِي التَّارِيخِ، لَنَسْبِرَ أُصُولَ هَذِهِ الْفِكْرَةِ وَنَتَلَمَّسَ كَيْفَ نَشَأَتْ وَدَخَلَتْ إِلَى عَالَمِنَا، نُلَاحِظُ أَنَّ عَدِيدَاً مِنَ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَكْتَفُوا بِالْاِنْغِمَاسِ فِي مَجَالٍ وَاحِدٍ، بَلْ اسْتَكْشَفُوا أَبْعَادًا مُتَعَدِّدَةً مِنَ الْعُلُومِ الْمُخْتَلِفَةِ.
مِثَالٌ عَلَى ذَلِكَ هُوَ الْعَالِمُ الْخَوَارِزْمِيُّ، الَّذِي قَدَّمَ إِسْهَامَاتٍ جَلِيلَةً فِي الرِّيَاضِيَّاتِ وَالْفِقْهِ وَالْجُغرافِيَا وَالْفَلَكِ. النَّمَطِ ذَاتُهُ نَجِدُهُ مَعَ عُلَمَاءِ آخَرِينَ -مِنْ أَمْثَالِ ابْنِ النَّفِيسِ- أَثَّرُوا الْعَالَمَ بِمَعَارِفِهِمُ الْوَاسِعَةِ وَالْمُتَنَوِّعَةِ.
بَعْدَ الثَّوْرَةِ الصِّنَاعِيَّةِ الْكُبْرَى الَّتِي شَهِدَتْهَا أُورُوبَا بَيْنَ 1760 وَ 1840، ظَهَرَتْ عَدِيدٌ مِنَ النَّظَرِيَّاتِ الَّتِي جَاءَتْ كَمُحَاوَلَةٍ لِتَنْظِيمِ الْفَوْضَى النَّاتِجَةِ عَنْ هَذَا التَّقَدُّمِ الصِّنَاعِيِّ.
مِنْ بَيْنِ هَذِهِ النَّظَرِيَّاتِ كَانَتِ الْإِدَارَةُ الْعِلْمِيَّةُ الَّتِي أَسَّسَهَا الْمُهَنْدِسُ الْمِيكَانِيكِيُّ فِرِيدْرِيك تَايْلُور فِي العَامِ 1911، وَالَّتِي انْضَوَتْ تَحْتَ لَوَاءِ الْمَدْرَسَةِ الْكِلَاسِيكِيَّةِ لِتَحْقِيقِ أَفْضَلِ نَمُوذَجٍ إِدَارِيٍّ يَهْدُفُ إِلَى رَفْعِ الْإِنتَاجِيَّةِ.
لَيسَ مِن قَبيلِ المُصادَفَةِ أَن تَكونَ الوَظائِفُ المُتَخَصِّصَةُ هِيَ أُولَى الوَظائِفِ الَّتِي تَعرَّضَتْ لِلْأَتْمَتَةِ. الآلَةُ بِطَبيعتِها تَتَفَوَّقُ فِي أَدَاءِ المَهامِّ المُحَدَّدَةِ بِدِقَّةٍ مِمَّا يَجْعَلُ مَهامَّ التَّخَصُّصِ أَهدافًا سَهلةً لِلْتَّحَوُّلِ الرَّقْمِيِّ وَالأَتْمَتَةِ.
فِي ظِلِّ مَوْجَةِ الأَتْمَتَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ تَجَنُّبُهَا، سَيَكُونُ النَّاجِي الحَقيقي هُوَ مَن يُدِيرُ خِبْراتِهِ بِحِكمةٍ وَيَسْتَثمِرُهَا لِتعزيزِ مَكَاسِبِهِ وَتَقْلِيلِ خَسَائِرِهِ فِي مَجَالاتِ الحَيَاةِ.
اكْتِسابُ مَهَارَةٍ جَدِيدَةٍ يُمكِنُ أَنْ يُعَزِّزَ فُرَصَ الْفَرْدِ بِالحُصُولِ عَلَى وَظَائِفَ أَفْضَلَ وَيُقَلِّلَ مَخَاطِرَ فَقْدِهِ لِمَكانَتِهِ، لاسيما إِذا تَوَافَقَتْ هَذِهِ الْمَهَارَةُ مَعَ مَوَاهِبِهِ الطَّبِيعِيَّةِ.
عَلَيْنَا أَيْضًا أَنْ نَأْخُذَ بِعَيْنِ الاِعْتِبَارِ تَصْمِيمَ الحَيَاةِ وَالمِهَنِ الَّتِي يَسْعَى الشَّخْصُ لِتَحْقِيقِهَا وَرِسَالَةَ حَيَاتِهِ. وَعَلَى الرَّغمِ مِنْ أَنَّ الْمَوَاهِبَ الشَّخْصِيَّةَ مُحَدَّدَةٌ حَتَّى لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ إتقانَ كُلِّ شَيْءٍ، يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ إتقانُ بَعْضِ المَهَارَاتِ بِعَمَقٍ وَدَعْمِهَا بِمَعْلُومَةٍ رَدِيْفَةٍ مِمَّا يَزِيدُ مِنِ احْتِمَالِيَّةِ نَجَاحِهِ بِشَكْلٍ كَبِيرٍ.